فخر الدين الرازي

186

تفسير الرازي

تعالى في سورة ( عم ) بعد أن ذكر وعيد الكفار * ( إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا بآياتنا كذاباً ) * ( النبأ : 27 ، 28 ) أي هذا الوعيد الشديد إنما حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة . المسألة الثانية : قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد شيئاً من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده ، ولا يفعل شيئاً من ذلك ، وبيانه : وهو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من الله تعالى ، أو من العبد ، وبتقدير صدوره من العبد ، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره ، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة ، وقوله تعالى : * ( وما الله يريد ظلماً للعالمين ) * نكرة في سياق النفي ، فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً ، سواء كان ذلك صادراً عنه أو صادراً عن غيره ، فثبت أن هذه الآية تدل على أنه لا يريد شيئاً من هذه الأقسام الثلاثة ، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون فاعلاً لشيء من هذه الأقسام ، ويلزم منه أن لا يكون فاعلاً للظلم أصلاً ويلزم أن لا يكون فاعلاً لأعمال العباد ، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم وظلم بعضهم بعضاً ، وإنما قلنا : إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل للظلم البتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها ، ولو كان فاعلاً لشيء من أقسام الظلم لكان مريداً لها ، وقد بطل ذلك ، قالوا : فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم ، وغير فاعل لأعمال العباد ، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد ، ثم قالوا : إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك ، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له ، فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادراً على الظلم وعند هذا تبجحوا وقالوا : هذه الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل ، ثم قالوا : ولما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم ولا يفعل الظلم قال بعده * ( ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور ) * وإنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل ، أو العجز ، أو الحاجة ، وكل ذلك على الله محال لأنه مالك لكل ما في السماوات وما في الأرض ، وهذه المالكية تنافي الجهل والعجز والحاجة ، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع كونه فاعلاً للقبيح والثاني : أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول : إنا نشاهد وجود الظلم في العالم ، فإذا لم يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته ، فيلزم كونه ضعيفاً عاجزاً مغلوباً وذلك محال . فأجاب الله تعالى عنه بقوله * ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) * أي أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر ، ولما كان قادراً على ذلك خرج عن كونه عاجزاً ضعيفاً لا أنه تعالى أراد منهم ترك المعصية اختياراً وطوعاً ليصيروا بسبب ذلك مستحقين للثواب